ابراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر الأزرق
14
تسهيل المنافع في الطب والحكمة
وعلم أن السنة أربعة فصول ، كل فصل ثلاثة أشهر ، فلا بد من معرفة مزاج كل فصل ليقابل بضده ، فمزاج الصيف حار يابس ، والخريف بارد يابس ، والشتاء بارد رطب ، والربيع معتدل بين الحار والبارد ، والرطب واليابس ، فيصلح كل فصل منها عكس طبعه من المأكولات ، وهذه الأمزجة تكون في الشهر الأول من مدة كل فصل متوسطة بين القوة والضعف ، وفي الشهر الثاني قويه ، وفي الثالث ضعيفة ؛ لممازجة الفصل الذي يليه . قال بعض علماء الطب : اعتمد مقاومة السوداء بالثرائد الدسمة ، ومقاومة الصفراء بالأشياء الحامضة ، ومقاومة البلغم بالطعوم المالحة . وأما زيادة الدم فعلاجه بإخراجه ، وأحسن ما يكون إخراجه في فصل الربيع والصيف ، وأحسن ما يكون في كل شهر مرتين ، وذلك بأن يحتجم في الربيع في كل شهر مرتين ، وفي الصيف في كل شهر مرة ، وخمس محاجم في كل مرة تكفي ، ولا بأس أن يكون محجمين الساقين منها ، فإنهما يغنيان عن أكثر المحاجم . واعلم أن الصفراء كالصبي الذي ترضيه التمرة ، وتسخطه الكلمة ، والسوداء كالثور يسوقه الصبي والمرأة ، فإذا غضب لم يضبط ، والبلغم كالسبع إن قتل بالأدوية وإلا قتل ، فاقهر البلغم قهرك عدوك ، وسالم الدم مسالمتك صديقك ، واخضع للصفراء خضوعك لمن فوقك ، وجاهد السوداء مجاهدتك عدوك تفق . قال صاحب كتاب الرحمة : فصل في معرفة الغذاء المتصرف على الإنسان : اعلم أن الغذاء به قوام البدن ، وثبات الروح في الجسد ، ومنه صلاحه ومنه فساده ، وهذا الفصل مهم مفيد لا يستغني عاقل عن معرفته ، وذلك أن الغذاء إذا انهضم وتفرق من آلات الهضم التهبت الطبيعة فاستدعت بالأكل وذلك هو الجوع المعروف . فإذا لم يحصل لها مادة الغذاء عطفت على الرطوبة الأصلية فتأكلها ، فإذا فنيت الرطوبة انطفأت الحرارة الغريزية ، وكان ذلك سبب الهلاك والعطب . فإن حصلت المادة بالغذاء قطعته قوادم الإنسان الحادة على قدر ما تقدر عليه الطبيعة وحركة اللسان التي جعلها اللّه مغرفة للطعام وترجمانا للكلام ، وقلبته يمينا وشمالا إلى الأضراس فتطحنه ، فإن كان يابسا فقد خلق اللّه له تحت اللسان نهرين جاريين يكون منهما أدام ذلك الطعام ثم يدفعه اللسان إذا